الطبراني

382

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وأما السير في البرّ فإضافته إلى اللّه تعالى على معنى تسخير المركوب ، وتسييره بإمساكه بقدرة اللّه تعالى أيضا . قرأ ابن عامر وأبو جعفر ( ينشركم ) ، والسّير من النّشر ؛ أي نبثّكم في البرّ والبحر . قوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ؛ أي حتى إذا كنتم في السّفن ، وقد يكون الفلك واحدا ، وقد يكون جمعا ، فمن جعله واحدا فجمعه أفلاك ، ومن جعله جمعا فواحد فلك ، كما يقال أسد وأسد . وقوله تعالى : ( وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) أي السّفن جرين بأهلها بريح ليّنة ساكنة ، وفرحوا بسكون ريحها وأعجبوا ، قال الزجّاج : ( ابتداء الكلام خطاب ، وبعد ذلك إخبار عن معانيه ؛ لأنّ مخاطبة اللّه لعباده لا تكون إلّا على لسان الرّسول ، وذلك بمنزلة الإخبار عن الغائب ) « 1 » . قوله تعالى : وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ؛ أي ركوبهم الموج من كلّ جانب . وقوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ؛ أي أيقنوا أنه قد دنا هلاكهم ، تقول العرب لكلّ من وقع في الهلاك ، أو بليّة عظيمة : أحيط بفلان ؛ أي أحاط به الهلاك . قوله تعالى : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ؛ أي دعوا اللّه ليكشف ذلك عنهم ، مخلصين له الاعتقاد ، لا يدعون عند الشدّة غيره ، قال الحسن : ( ليس هو إخلاص الإيمان ، ولكنّه لعلمهم بأنّه لا ينجيهم من تلك الشّدّة إلّا اللّه عزّ وجلّ ) . قوله تعالى : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ ؛ أي من هذه الرّيح الشديدة والغرق ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) ؛ لك على نعمائك . قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ؛ فلما أنجاهم من البحر إذا هم يتطاولون على أنبياء اللّه وأوليائه ، ويعملون بالمعاصي

--> ( 1 ) قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه : ج 3 ص 11 . وفي المطبوع اختصر العبارة أو سقطت منه . وعبارة الإمام الطبراني أتم وأوضح في المعنى .